الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

188

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والانحياز إلى الشيء ، فالملجأ : المكان الذي يصير إليه المرء للتوقّي فيه ، ويطلق مجازا على الناصر ، وهو المراد هنا ، أي ما لكم من شيء يقيكم من العذاب . والنكير : اسم مصدر أنكر ، أي ما لكم إنكار لما جوزيتم به ، أي لا يسعكم إلّا الاعتراف دون تنصل . [ 48 ] [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 48 ] فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ ( 48 ) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ . الفاء للتفريع على قوله : اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ [ الشورى : 47 ] الآية ، وهو جامع لما تقدم كما علمت إذ أمر اللّه نبيئه بدعوتهم للإيمان من قوله في أول السورة وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها [ الشورى : 7 ] ثم قوله : فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ [ الشورى : 15 ] . وما تخلل ذلك واعترضه من تضاعيف الأمر الصريح والضمني إلى قوله : اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ [ الشورى : 47 ] الآية ، ثم فرّع على ذلك كله إعلام الرسول صلى اللّه عليه وسلّم بمقامه وعمله إن أعرض معرضون من الذين يدعوهم وبمعذرته فيما قام به وأنه غير مقصر ، وهو تعريض بتسليته على ما لاقاه منهم ، والمعنى : فإن أعرضوا بعد هذا كله فما أرسلناك حفيظا عليهم ومتكفلا بهم إذ ما عليك إلا البلاغ . وإذ قد كان ما سبق من الأمر بالتبليغ والدعوة مصدّرا بقوله أوائل السورة وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [ الشورى : 6 ] ، لا جرم ناسب أن يفرع على تلك الأوامر بعد تمامها مثل ما قدم لها فقال : فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ . وهذا الارتباط هو نكتة الالتفات من الخطاب الذي في قوله : اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ [ الشورى : 47 ] الآية ، إلى الغيبة في قوله هنا فَإِنْ أَعْرَضُوا وإلا لقيل : فإن أعرضتم . والحفيظ تقدم في صدر السورة وقوله : فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ليس هو جواب الشرط في المعنى ولكنه دليل عليه ، وقائم مقامه ، إذ المعنى : فإن أعرضوا فلست مقصرا في دعوتهم ، ولا عليك تبعة صدّهم إذ ما أرسلناك حفيظا عليهم ، بقرينة قوله : إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ . وجملة إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ بيان لجملة فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ